فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
وقوله : * ( مقيم خالدين فيها أبدا ) * المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب . وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول : المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : * ( يبشرهم ربهم ) * . واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين : أحدهما : أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة . والثاني : أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها وشرفه . وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفاً في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته ، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة ، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام ، فكذلك ههنا . قوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) * منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة ، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة ، وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة ، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضاً درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم ، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد ، وذلك لأن العبد ما دام مشغولاً بالحق من حيث أنه راحم فهو غير مستغرق في الحق ، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق ، فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة ، والنقمة والنعمة ، والبلاء والآلاء ، والمحققون وقفوا عند قوله : * ( يبشرهم ربهم ) * فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه ومنهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ) * فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم ، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشراً بالرحمة ، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين . واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال : * ( يبشرهم ربهم ) * وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة . أولها : أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان . والثاني : أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله ، فلما كان المبشر ههنا هو أكرم الأكرمين ، وجب أن تكون البشرة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها . والثالث : أنه تعالى سمى نفسه ههنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال : الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة . والرابع : أنه تعالى قال : * ( ربهم ) * فأضاف نفسه إليهم ، وما أضافهم إلى نفسه . والخامس : أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال : * ( يبشرهم ربهم ) * والسادس : أن البشارة هي الأخبار عن حدوث